عبد القادر الجيلاني

101

سر الأسرار ومظهر الأنوار فيما يحتاج إليه الأبرار

المقالة الخامسة والثلاثون في الورع قال رضي اللّه عنه وأرضاه : عليك بالورع وإلا فالهلاك في زيقك ملازم لك لا تنجو منه أبدا إلا أن يتغمدك اللّه تعالى برحمته ، فقد ثبت في الحديث المروي عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أنه قال : « إن ملاك الدين الورع ، وهلاكه الطمع ، وإن من حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه ، كالراتع إلى جنب الزرع يوشك أن يمد فاه إليه لا يكاد أن يسلم الزرع منه » « 1 » . وعن أبي بكر الصديق رضي اللّه عنه أنه قال : كنا نترك سبعين بابا من المباح مخافة أن نقع في الجناح . وعن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه أنه قال : كنا نترك تسعة أعشار الحلال مخافة أن نقع في الحرام ، فعلوا ذلك تورعا في مقاربة الحرام أخذا بقول النبي صلى اللّه عليه وسلم : « لكل ملك حمى » « 2 » ، وإن حمى اللّه محارمه ، فمن حام حول الحمى يوشك أن يقع فيه ، فمن دخل حصن الملك فجاز الباب الأول ثم الثاني والثالث حتى قرب من سدته خير ممن وقف على الباب الأول الذي يلي البر « فإنه إن أغلق عنه غلق الباب الثالث لم يضره وهو من وراء بابين من أبواب القصر ومن دونه حراس الملك وجنده ، وأما إذا كان على الباب الأول فأغلقوا عنه بقي في البر وحده فأخذته الذئاب والأعداء وكان من الهالكين » ، فهكذا من سلك العزيمة ولازمها : إن سلب عنه مدد التوفيق والرعاية وانقطعت عنه حصل في الرخص ولم يحرج عن الشرع : فإذا أدركته المنية كان على العبادة والطاعة ويشهد له بخير العمل ، ومن وقف على الرخص ولم يتقدم إلى العزيمة إن سلب عنه التوفيق فقطعت عنه أمداده ، فغلب الهوى عليه وشهوات النفس ، فتناول الحرام يخرج من الشرع فصار في زمرة الشياطين أعداء اللّه عزّ وجلّ الضالين عن سبل الهدى ، فإن أدركته المنية قبل التوبة كان من الهالكين إلا أن يتغمده اللّه تعالى برحمته وفضله ، فالخطر في القيام مع الرخص ، والسلامة كل السلامة مع العزيمة ، واللّه الهادي إلى سواء الطريق .

--> ( 1 ) رواه البخاري في صحيحه ( 1 / 28 ) ، ومسلم ( 3 / 1219 ) ، وأبو داود في سننه ( 3 / 243 ) ، والنسائي في المجتبى ( 7 / 242 ) ، وابن حبان في صحيحه ( 2 / 497 ، 15 / 380 ) . ( 2 ) رواه البخاري في صحيحه ( 1 / 28 ) ، ومسلم ( 3 / 1219 ) ، وابن حبان ( 12 / 380 ) ، والترمذي في سننه ( 3 / 511 ) ، والدارمي ( 2 / 319 ) ، والبيهقي في السنن الكبرى ( 5 / 264 ، 5 / 334 ) ، وابن ماجة ( 2 / 1318 ) ، وأحمد في مسنده ( 4 / 270 ، 271 ) ، والقضاعي في مسند الشهاب ( 2 / 127 ، 128 ) .